سيد قطب

43

في ظلال القرآن

9 - وهم يظنون في أنفسهم الذكاء والدهاء والقدرة على خداع هؤلاء البسطاء ؛ ولكن القرآن يصف حقيقة فعلتهم ، فهم لا يخادعون المؤمنين ، إنما يخادعون اللّه كذلك أو يحاولون : « يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا » . . وفي هذا النص وأمثاله نقف أمام حقيقة كبيرة ، وأمام تفضل من اللّه كريم . . تلك الحقيقة هي التي يؤكدها القرآن دائما ويقررها ، وهي حقيقة الصلة بين اللّه والمؤمنين . إنه يجعل صفهم صفه ، وأمرهم أمره . وشأنهم شأنه . يضمهم سبحانه إليه ، ويأخذهم في كنفه ، ويجعل عدوهم عدوه ، وما يوجه إليهم من مكر موجها إليه - سبحانه - وهذا هو التفضل العلوي الكريم . . التفضل الذي يرفع مقام المؤمنين وحقيقتهم إلى هذا المستوي السامق ؛ والذي يوحي بأن حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق ، والذي يسكب في قلب المؤمن طمأنينة لا حد لها ، وهو يرى اللّه - جل شأنه - يجعل قضيته هي قضيته ، ومعركته هي معركته ، وعدوه هو عدوه ، ويأخذه في صفه ، ويرفعه إلى جواره الكريم . . فما ذا يكون العبيد وكيدهم وخداعهم وأذاهم الصغير ؟ ! وهو في ذات الوقت تهديد رعيب للذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم ، وإيصال الأذى إليهم . تهديد لهم بأن معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم إنما هي مع اللّه القوي الجبار القهار . وأنهم إنما يحاربون اللّه حين يحاربون أولياءه ، وإنما يتصدون لنقمة اللّه حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة . وهذه الحقيقة من جانبيها جديرة بأن يتدبرها المؤمنون ليطمئنوا ويثبتوا ويمضوا في طريقهم لا يبالون كيد الكائدين ، ولا خداع الخادعين ، ولا أذى الشريرين . ويتدبرها أعداء المؤمنين فيفزعوا ويرتاعوا ويعرفوا من الذي يحاربونه ويتصدون لنقمته حين يتصدون للمؤمنين . . ونعود إلى هؤلاء الذين يخادعون اللّه والذين آمنوا بقولهم : آمنا باللّه وباليوم الآخر . ظانين في أنفسهم الذكاء والدهاء . . ولكن يا للسخرية ! يا للسخرية التي تنصب عليهم قبل أن تكتمل الآية : « وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ، وَما يَشْعُرُونَ » . . إنهم من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور ! إن اللّه بخداعهم عليم ؛ والمؤمنون في كنف اللّه فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم . أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها . يخدعونها حين يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق ، ووقوها مغبة المصارحة بالكفر بين المؤمنين . وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة بالكفر الذي يضمرونه ، والنفاق الذي يظهرونه . وينتهون بها إلى شر مصير ! 10 - ولكن لما ذا يحاول المنافقون هذه المحاولة ؟ ولما ذا يخادعون هذا الخداع ؟ « فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ » . . في طبيعتهم آفة . في قلوبهم علة . وهذا ما يحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم . ويجعلهم يستحقون من اللّه أن يزيدهم مما هم فيه : « فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً » . . فالمرض ينشئ المرض ، والانحراف يبدأ يسيرا ، ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد . سنة لا تتخلف . سنة اللّه في الأشياء والأوضاع ، وفي المشاعر والسلوك . فهم صائرون إذن إلى مصير معلوم . المصير الذي يستحقه من يخادعون اللّه والمؤمنين : « وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ » . .